في بداية مرحلة الأمومة يقتصر دور الوالدين على مهام الرعاية و الحماية و التغذية و التدليل إلا أنه وبعد أن يبدأ الطفل في مرحلة تركيب الجمل و اكتشاف الكون من حوله ينظر إلى والديه على أنهما المرجع الرئيس لإجابة التساؤلات الحائرة و إيجاد الحلول للقضايا الغامضة في حياته الصغيرة.

baby ask questions rqeeqa com

وبمثل بساطة عقل الطفل الصغير تكون بساطة أسئلته لكنها سرعان ما تتطور مع نموه و زيادة عمره, و اتساع مداركه و معارفه؛ الأمر الذي يقحمه في موضوعات تثير فيه الرغبة في المعرفة والحرص على اكتشاف المجهول,

وبينما تكون مهمة الأم سهلة وقدرتها على إجابة الأسئلة في الفترة الأولى من عمر طفلها مُمكنة, تزداد هذه المهمة صعوبة مع تقدم عمر الطفل وتغيب الكثير من الإجابات عن الأم إمّا لعدم معرفتها, وإمّا لكون هذه الأسئلة تناقش موضوعات حساسة,

أو محرجة, أو أكثر عمقاً من عقلية الطفل مثل الأسئلة التي تدور حول الموت و الجنس و المشاكل الأسرية و الفروق العقدية.

كيف تتعامل مع أسئلة الطفل المحرجة ؟

النصيحة الأكثر أهمية التي يجب أن يلتزم بها الوالدان عند الرد على أسئلة ابنائهم في أي مرحلة عمرية هي عدم التجاهل و الرد على الأسئلة بصدق ووضوح  يتناسب مع العمر العقلي للطفل.

إعراض الوالدين عن الطفل عند طرح الأسئلة و الانشغال بقصد التهرب من الإجابة أو الاهتمام بأشياء أخرى يغلق آفاق الحوار بين الابن و أسرته  ويجعل الطفل يبحث عمَن يجيب عن تساؤلاته الحائرة خارج دائرة الأسرة الموثوقة و بالتالي تجد مجموعات الأصدقاء طريقها إلى التأثير في عقلية و نفسية الطفل.

عندما يتجاهل الوالدان الرد على أسئلة أطفالهم فإنهم يغلقون بوابة الحوار للأبد وعندما يريدا لاحقاً إعادة فتح الحوار في فترة المراهقة و البلوغ سيجدان ممانعة كبيرة, و صدّ من الابن, وعدم رغبة في التواصل و كأنه يرد لهما الصنيع الذي فعلاه معه عندما كان صغيراً.

لذا فالنصيحة هنا أن تصغي جيداً لحديث أبنائك وأن تمنحهم الوقت الكافي للسؤال عن كل ما يدور في أذهانهم دون أن تضطرهم بالنهر و الزجر أو الاستهزاء و الاحتقار إلى البحث عن أذن غير أذنك يلقون إليها بمتاعبهم, و لسان غير لسان يتلقون منه إجاباتهم.

أما النقطة الثانية فهي ضرورة الرد بصدق ووضوح على أسئلة الطفل دون أن يستشعر أنه يسأل عن أشياء ممنوعه أو معلومات محظورة ولكن بالطريقة التي تتناسب مع قدراته العقلية فما يصلح أن يعرفه طفل في الخامسة عشر لا يناسب بالتأكيد ما يجب أن يعرفه طفل في الخامسة.

الإجابة بصدق على أسئلة طفلك تنمي رابطة الثقة بينكما و تشعر الطفل بمكانته و تقدير والديه له, و على العكس الرد بصورة فيها سخرية أو كذب واضح على تساؤلات الأطفال الحرجة يحفزهم على البحث بطرقهم الخاصة عن إجابات لهذه الأسئلة في الوقت الذي يفقد فيه الوالدان مكانتهما كمرجع موثوق للأبناء.

أخطاء شائعة عند الرد على أسئلة الأطفال

التسرع فى الرد :

من الأخطاء الشائعة عند الإجابة على اسئلة الأطفال الرد السريع الغير متأني دون معرفة ما وراء السؤال؛  لابد أن يفهم الوالدان أن عقلية الأطفال تختلف عن عقلية الناضجين وأن الطفل قد يعبر عن مخاوفه في شكل اسئلة لا تستهدف المعلومة المباشرة قدر ما تبحث عن ردٍ مطمئن لاضطرابات نفسية داخلية عند الطفل.

فطنة الوالدين إلى مقاصد الأسئلة يرفع عنهما كثيراً من حرج الإجابة, في نفس الوقت الذي يُسَهل عليهما تقديم ردود تلبي احتياجات الطفل النفسية و العقلية؛

إذا اردنا أن نضرب مثالاً لهذا الأمر فسنقول ماذا لو أن طفلك طرح عليك هذا السؤال قبل الذهاب إلى رحلة المدرسة لحديقة الحيوان ” هل صحيح أن الأسود تتغذى على البشر؟”,

ربما سيجد الكثير من الآباء و الأمهات أن سؤال الطفل سهل ومن ثمَّ يتسرعون بتقديم إجابة تؤكد معلومة الطفل, إلا أنه وبقليل من التروي نفهم أن هذا الطفل يعاني قلقاً داخلياً وخوفاً مكبوتاً من زيارة حديقة الحيوانات !!

وأن الإجابة التي يبحث عنها ليست تأكيد أكل الأسود للبشر ولكنه يريد أن يسمع أن حديقة الحيوانات ليست غابة مفتوحة و أن الأسود يُحتفظ بها في أقفاص خاصة يقف عليها حراس و أنها لن تلتهمه.

الكيف و ليس الكم :

من الأخطاء الشائعة أيضاً عند الإجابة على اسئلة الأطفال أن يتحول رد الوالدين إلى محاضرة علمية تمتد طويلاً رغم أن العبرة في التعامل مع أسئلة الصغار تكون كيفاً وليس كماً.

ما يجب أن يدركه الوالدان أن الطفل تكفيه جملة واحدة للإجابة على سؤاله طالما أن هذه الجملة تتضمن المعلومة التي يريدها, و أن الفقرات المطولة التي يلقيها الآباء و الأمهات على ابنائهم لا يبقى منها في الذاكرة سوى الشيء القليل,

وأن الأفضل أن يمنح الابن الإجابة مختصرة لترك الفرصة لعقله لاستيعابها وتحليلها ومن ثمَّ البناء عليها والبدء في طرح اسئلة جديدة.

نصائح ونماذج للرد على أسئلة الأطفال المحرجة

ناقش طفلك بهدوء :

من الفوائد القيّمة عند التعامل مع أسئلة الأطفال المحرجة أن يتم التعامل معها ببساطة ودون استشعار الحرج لأن الطفل عندما يسألها لا يقصد أن يسبب حرجاً لوالديه,

و لا يعدو سؤاله أن يكون واحداً من عشرات أو مئات الأسئلة التي تدور بذهنه يومياً, لذلك لا داعي لمواجهة الطفل بعاصفة من الغضب إذا سأل عن الجنس أو المخدرات أو التدخين أو غير ذلك من الأمور,

وبدلاً من ملاحقته بأسئلة من نوع ” كيف سمعت بهذا الأمر؟ ومن أخبرك به؟” .

يفضل أن يحاول الوالدان معرفة كمية ونوعية المعلومات التي يعرفها الطفل عن الموضوع لتصحيحها أو لوضعها في الإطار السليم, و أن تستبدل الأسئلة الهجومية السابقة بأسئلة حوارية مثل

” ماذا تعرف أنت عن هذا الأمر؟ كيف توصلت إلى هذا المفهوم؟”

ومن هنا تبدأ عملية التصحيح و التعديل حسب العمر ولنتذكر مرة أخرى أن عقلية الطفل تختلف عن عقلية الناضج وأن ما نعتبره موضوعات ذات حساسية خاصة في عالم الكبار لا يعدو أن يكون أمراً عادياً في عالم الصغار.

اشهر الاسئلة المحرجة

من أشهر الأسئلة المحرجة التي يطرحها الأبناء دائما على والديهم والتي إما تقابل بعاصفة من الغضب أو التهرب أو تقديم ردود غير مقنعة تسخر من عقلية الطفل السؤال عن اختلاف التكوين الجسدي للأولاد عن البنات !

للإجابة على مثل هذا السؤال علينا أن نتذكر قاعدتين أساسيتين ورد ذكرهما سابقاً بهذا المقال؛ الأولى مراعاة العمر العقلي للطفل و  الثانية الرد بجملة واحدة أو جملتين و انتظار رد فعل الطفل فإما يكتفي بالإجابة أو يعود ليطرح سؤالاً جديداً.

الرد الأفضل – من وجهي نظري- على مثل هذا السؤال كالتالي  ” خلق الله الكائنات بأشكال مختلفة لتؤدي وظائف مختلفة فالطيور لها أجنحة لتستطيع الطيران بينما الأسماك ليس لها أجنحة لأنها لا تحتاجها وعندما تكبر الفتاة ستعرف وظيفة أعضائها المختلفة عن الولد و العكس أيضاً”.

قد تكون هذه الإجابة مناسبة ومقنعة للأطفال في سن المرحلة الابتدائية حتى إذا طلبوا مزيداً من التفسير فيمكنك أن تعدهم بمزيد من المعلومات عندما يصلون إلى سن معينة,

أما إذا جاء هذا السؤال من طفل في مرحلية عمرية أكبر فهي فرصة جيدة لتوضيح كثير من الأمور الشرعية حول ممارسة الجنس و آداب التعامل بين الرجال و النساء و وجوب غض البصر بالتوازي مع تقديم معلومات عامة حول دور اختلاف التكوين البدني بين الذكور والإناث في الإنجاب.

مثال اخر :

أمّا إذا طرح أحد الأبناء سؤلاً حول كلمات بذيئة قد يكون سمعها في الشارع عرضاً فمن المهم – كما أسلفنا- عدم تجاهل الرد أو تقديم ردود سطحية والأفضل أن يوضح للطفل أن هذا نوع من السباب يستخدمه أشخاص غير ملتزمين أخلاقياً مع التأكيد أن مثل هذه الكلمات خارج قاموس الأسرة ولا يجب أن يفكر في استخدامها داخل أو خارج المنزل.

السؤال عن الموت :

من الأسئلة التي تحتاج إلى تعامل خاص عند طرحها من قبل الأطفال السؤال عن “الموت”, خاصة عندما يصادف ذلك حالة وفاة في محيط العائلة, وأفضل المداخل للرد على مثل هذه الأسئلة التطرق إليها من الناحية الطبية :

أولاً فنخبر الطفل أنه في لحظة الموت تبدأ أجهزة الجسم بالتوقف تدريجياً, ثم تخرج الروح التي تشبه تيار الكهرباء الذي إذا انقطع توقف عمل كل شيء,

ثم في المرحلة التالية نشرح بعض المفاهيم الدينية حول الموت و الحياة الآخرة و أن الدنيا ستنتهي لكن الأخرة باقية ومن ثم على الإنسان أن يسعى ليؤمن حياته الأبدية بالعمل الصالح كما يسعى أن يؤمن حياته الحالية بأعمال الدنيا والأعمال الصالحة.

من المهم عند التعامل مع أسئلة الموت ألا يتطرق إليها من باب التخويف و الترعيب و الحديث عن عذاب القبر و ظلمته فمثل هذه الأمور تقلق الطفل نفسياً,

والأفضل أن يكون المدخل ” من أحب لقاء الله أحب الله لقائه” وأن الصالحين تسبقهم أعمالهم الصالحة التي كانوا يعملونها في الدنيا إلى الآخرة.

الخلافات الزوجية :

أما إذا كان السؤال حول الخلافات الزوجية بين الأب و الأم فمن المهم أن يتم الرد بشكل حذر جداً وأن يوضح للطفل أن هناك علاقة حب ومودة بين الوالدين إلا أنه يحدث أحياناً اختلاف في طريقة التفكير مما يؤدي إلى الشجار مع الاعتراف أمام الطفل أن ما حدث من صوت مرتفع خطأ لن يتكرر.

الطفل و الجماع :

لا يزال هناك الكثير من الأسئلة المحرجة التي يطرحها الأطفال على والديهم لكني أعتقد أن أكثر هذه الأسئلة إحراجاً قد يكون عندما يضبط الطفل والديه متلبسين أثناء الجماع,

هنا يكون الموقف معقداً ويحتاج إلى رد ذكي مقنع لا يترك أثاراً نفسية سيئة لدى الطفل ولا يشغل ذهنه أكثر من اللحظة التي يطرح فيها السؤال حتى لا يدفعه لمحاولة التقليد أو الاستكشاف لاحقاً.

في هذه الحالة يفضل أن يتعامل مع الطفل حسب نوعه فإذا كان ولداً تقدم الأب للإجابة,  وإذا كانت بنتاً تقدمت الأم للرد على سؤال طفلتها و الذي غالباً سيكون “ماذا تفعلان؟؟!!”.

الإجابة المباشرة تختصر الكثير من الوقت, وتقمع العديد من الأفكار السيئة التي تدور في ذهن الطفل في هذه اللحظة كما أن التعامل بهدوء و الحديث بشجاعة و دون خجل سيكون له دور كبير في اقناع الطفل بهذه الإجابة” عندما يحب رجل امرأة ويتزوجان فإنهما يرغبان في أن يكونا قريبين من بعضهما البعض ولا ينفصلان وهذا ما رأيته”.

فى الختام :

لابد أن يدرك الوالدان أن الأطفال كائنات فضولية بطبعها و أن كثرة الأسئلة دليل على حسن عقلية الطفل, وأن مهمة الآباء و الأمهات تلقين الأبناء المعارف و المعلومات اللازمة لتكوين حصيلتهم المعرفية ليستطيعوا أن يفهموا أنفسهم و الحياة والناس من حولهم .

دعوة للإنضمام للجروب الرسمى لمجلة رقيقة على الفيسبوك لمتابعة كل ما هو جديد والتواصل مع متابعى المجلة من هنا جروب مجلة رقيقة

عن الكاتب

محمد عبد السلام 

اكتب تعليق

1 تعليق

مشاركة